في عالم السياسة، والصراعات الدولية لا شيء أخطر من وهم القوة والاغترار بها.
هذا الوهم القاتل هو الذي يدفع دولا كبرى إلى خوض حروب تعتقد أنها محسومة سلفا، فإذا بها تتحول إلى كوابيس استراتيجية لا تعرف كيف تتخلص منها حتى لا تستنزفها لسنوات، وتدمر مواردها، وتهدر قيمتها بين دول العالم.. وهذا ما نراه الآن ماثلا بين أعيننا فى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وجنوب لبنان.
فقد ثبت للعالم أن هذه الحرب لم يكن لها ما يبررها على الإطلاق لأنها استندت الى أوهام، وهذا ما أكده العديد من زعماء العالم الذين رفضوا دعوات الرىيس الأمريكى وإلحاحه فى طلب مساعدتهم فى الحرب فرفضوا مع أنهم من حلفاء أمريكا فى حلف الناتو وكانوا من قبل يأتمرون بأمرها.. لكنهم أدركوا أن التورط فى هذه الحرب سيجلب لبلادهم الخسائر واللعنة.. فقالوا لترمب (لن نشارك هذه حربك وحدك وعليك أنها تنهيها وتخلصنا من تداعياتها الخطيرة).
دائما الحروب لا تبدأ بقرار عقلاني ولا تنشب نتيجة حسابات صحيحة، بل كثيرا ما تبدأ فى لحظات انفعال ونتيجة ثقة مفرطة، وغرور سياسي، وتقديرات استخباراتية مضللة أو أصدقاء سوء يزينون بريقها وهو ما حدث فى الحرب على إيران حيث وسوس مجرم الحرب نتنياهو لترامب وزين له مكاسب هذه الحرب لبلاده فكانت التوريطة التى جلبت للإدارة الأمريكية الانتقادات حتى من داخل أمريكا نفسها فقد خرج العديد من السياسيين وأعضاء الكونجرس الأمريكى يوجهون انتقادات شديدة للرئيس الأمريكى وأكدوا أن إيران لم تكن تشكل خطرا عليهم ولا على جيرانها بالشكل الذى توهمه ترامب أو سوقه له مجرم الحرب الصهيونى نتنياهو.. وهنا يكمن الدرس الأول والأكثر قسوة: لا تستمع لأحد يزين لك قرار الحرب مهما كانت قوتك.. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، ليست ضمانا للنصر.. وقصص الحروب التى خاضتها أكبر وأقوى دول العالم عسكريا واقتصاديا وفى مقدمتها أمريكا تؤكد هذه الحقيقة حيث ثبت أن امتلاك أحدث الطائرات، وأدق الصواريخ، وأقوى الجيوش، لا يعني أنك تملك مفاتيح الحسم.
****
نتائج الحرب القذره التى شهدها العالم على مدى الاسابيع الست الماضية تثبت أن التفوق العسكري رغم أهميته لا يحقق الحسم دائما.. بل قد يتحول إلى عبء حين يدار بعقلية متعجرفة تفتقد الى الاتزان النفسي، وتتجاهل تعقيدات الواقع، وتختزل الصراع في معادلة (نحن أقوى جيش فى العالم وسوف ننتصر) كما سمعنا كثيرا من قيادات أمريكا والكيان الصهيونى المجرم خلال الاسابيع الماضية.. مع أن الواقع أكثر قسوة من هذه البساطة أو السذاجة.
الدرس الثاني الذي لا يقل خطورة يتلخص فى عبارة موجزة:(لا تستهين بخصمك).
فالخصم الذي يبدو ضعيفا، قد يمتلك ما هو أخطر من السلاح وهو :الإرادة.. وقد يمتلك ما هو أعمق من الإمكانيات وهو: (القدرة على الصمود).
فالاستخفاف بالخصم خطأ كارثى يتكرر بلا توقف.. والسبب فى ذلك التقارير المضللة التى تكتب في غرف مغلقة، والتقديرات الخاطئة التى تقلل من شأن الطرف الآخر، والقرارات المتطرفة التى تبنى على فرضيات غير صحيحة، لا على حقائق وتقديرات موضوعية.. والنتيجة: صدمة ميدانية، وتخبط سياسي، واستنزاف طويل لا نهاية واضحة له.
الحرب التى عشناها وراينا تداعياتها الخطيرة على العالم كله سياسيا وأمنيا واقتصاديا.. بل وأخلاقيا كشفت بوضوح أن موازين القوة لم تعد فى صورتها التقليدية التى عرفها العالم من قبل.. فالصراع بين الدول لم يعد مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل أصبح شبكة معقدة من الحروب والمواجهات:
حرب إعلامية.. حرب اقتصادية.. حرب نفسية.. وحرب تكنولوجية.
قد يخسر طرف معركة عسكرية، لكنه يكسب الرأي العام.
وقد يتراجع ميدانيا، لكنه يربح سياسيا.
وقد يحاصر اقتصاديا، لكنه ينجح في إنهاك خصمه على المدى الطويل.
قد ينهزم طرف فى ساحة المعركة لكنه يخرج منها مرفوع الرأس يكتسب احترام وتقدير شعوب العالم لأنه رفض الإهانة ودافع عن نفسه بشرف حتى النهاية.. وهو ما رأيناه فى هذه الحرب حيث وقفت شعوب العالم مع الطرف المجنى عليه ودعمته بلا حدود.
وهنا تظهر المفارقة: الطرف الأقوى عسكريا ليس بالضرورة الطرف المنتصر سياسيا.
****
الخلاصة أن الغرور بالقوة يدفع الدول إلى التورط فى حروب ومواجهات، لكن الخروج من الحرب لا يخضع لنفس المنطق الذي بدأت به.
بمعنى آخر: من السهل أن تبدأ الحرب، لكن من الصعب أن تنهيها بشروطك.. ويظل الاستنزاف هو الفخ الأكبر وحين تطول الحرب تتحول القوة إلى عبء سياسى واقتصادى واجتماعي ونفسي وهذا ما تعيشه شعوب العالم وفى مقدمتها أمريكا وإسرائيل حيث جلبت لهم الحرب كوارث وازمات سيطول التعافي منها فضلا عن كلفة هذا التعافي الباهظه ذلك ان اقتصادها منهك، وجبهتها الداخلية تتآكل، والضغوط الدولية تتزايد.
وفي المقابل، قد يجد الطرف الأضعف فرصته في إطالة أمد الصراع، وتحويل نقاط ضعفه إلى أدوات ضغط.
أما الذين دخلوا الحرب بثقة زائدة فيجدون أنفسهم محاصرين بخيارات محدودة:
لا هم قادرون على تحقيق نصر حاسم، ولا هم مستعدون لتحمل كلفة الانسحاب.
النتيجة؟
حروب بلا نهاية واضحة… وخسائر تتراكم بصمت.
أخطر ما في الأمر أن أثمان هذه الأخطاء لا تدفع فقط في ساحات القتال، بل تدفعها الشعوب: دماء، دمار، أزمات اقتصادية، وأجيال تنشأ على الكراهية وعدم الاستقرار.
وفي النهاية، يتكرر نفس الدرس الذي لم يتعلمه كثيرون:
القوة حين تغريك بالاندفاع، قد تكون بداية سقوطك.
والخصم الذي تستخف به، قد يكون سبب هزيمتك.
في عالم لا يعترف إلا بالنتائج، لا مكان للغرور، ولا مجال للاستخفاف.
فمن لا يعرف حدود قوته، ولا يفهم طبيعة خصمه، لا يخوض حربا… بل يخوض مغامرة..وغالبا ما تكون المغامرات في السياسة… مكلفة إلى حد الكارثة.